تنوعت أساليب القمع الإحتلالي الإسرائيلي وتعددت أدواته، وكثرت أشكاله وإرهاصاته وتأثيراته على الحياة الفلسطينية بكل أشكالها ومناحيها، وها هو يجدد قمعه هذه الأيام باستخدام يد الدين، كم مرة حاول الإحتلال إظهار نفسه على إنه دولة ديمقراطية حضارية متطورة، تعطي مواطنيها حقوقهم وتقدم لهم الخدمة والدعم الإنساني لكل من يحتاجه، حتى وإن كانوا هؤلاء من الذين يوصفون بالأعداء، وكأن بالأمر قيم معينة سامية عالية تقدمها هذه الدولة بشكل معين أمام الرأي العام العالمي لإقناعه بمقدار طيبة ووداعة كيانهم، وقد بذلوا الجهود الدائمة والأموال الباهظة على مدار تاريخ هذا الكيان كي يقنعوا العالم بان يدهم ممدودة إلى أعدائهم وملؤها قيم السلام والتعايش والجيرة والصداقة، في حين أن نظرة معينة لليد الأخرى لنجدها غارقة بوحل القمع والخطف والقتل والتزوير والسرقة، يد تسحق الإنسان لتفقده إنسانيته وكل ما له من حضارة وتاريخ وجغرافيا وقيم وكيان ووجود، كل هذا يحدث تحت مسمى ديني، ووفق نصوص دينية، فهمها الفكر اليهودي بطريقة عنصرية أدت به إلى احتقار الآخر.
سنة 1995 قام احد المستوطنين من مستوطنة كريات أربع القريبة من مدينة الخليل الفلسطينية بمهاجمة المصلين في الحرم الإبراهيمي هناك، وقتل وقتها العشرات أثناء تأديتهم للصلاة فجرا، ومن ثم أغلق الإحتلال الحرم لبعض الوقت وشكل لجنة إسرائيلية (وكأن الأمر كان مرتبا بتوزيع أدوار) لبحث الأمر وتوصلت اللجنة إلى قرار فتح الحرم بعد تقسيمه إلى قسمين، قسم لليهود يقيمون به صلاتهم، وقسم للمسلمين يقيمون به صلاتهم أيضا، وهذه الخطوة كانت مرحلة احتلالية إحلالية تهدف إلى إيجاد موطئ قدم لهم داخل الحرم وتثبيت وجود المستوطنين فيه، لتتبع خطوات أخرى متى أتيحت الفرصة لهم، هذا رغم كثرة النصوص الدينية في التوراة التي تمنع اليهودي من الاقتراب من القبور أو الموتى، حتى أن النصوص الدينية اليهودية في التوراة تصف كل من يقترب من القبور أو الإقتراب من الموتى بأنه إنسان نجس، والحرم الإبراهيمي بالأصل هو مكان دفن ستة من الآباء المهمين في التراث الديني لكافة الديانات في المنطقة (لليهود وللسامريين وللمسيحيين وللمسلمين)، بالفعل قبل أيام فقط أقدم الاحتلال على الخطوة الثانية التي أظهرت الوجه العنصري للاحتلال، من هنا نضيء سراجنا في درب العتمة العربية، علنا نتمكن من أن نشارك في أن يدرك الشارع العربي أن الليل قد انجلى وما علينا إلا أن ننهض من النوم لنمارس حياة النهار... قلوبنا مع أحبائنا في الخليل.